الغزالي
146
إحياء علوم الدين
بدوام إقبالها فيها . ومهما لم تزل النعمة بالحسد ، لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا يكون عليه إثم في الآخرة . ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي . وهذا غاية الجهل ، فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك ، فإنك أيضا لا تخلو عن عدو بحسدك ، فلو كانت النعمة تزول بالحسد ، لم يبق لله تعالى عليك نعمة ، ولا على أحد من الخلق ، ولا نعمة الإيمان أيضا ، لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان . قال الله تعالى * ( وَدَّ كَثِيرٌ من أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ من بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً من عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) * « 1 » إذ ما يريده الحسود لا يكون . نعم هو يضل بإرادته الضلال لغيره ، فإن إرادة الكفر كفر فمن اشتهى أن تزول النعمة عن المحسود بالحسد ، فكأنما يريد أن يسلب نعمة الإيمان بحسد الكفار ، وكذا سائر النعم . وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك ، فهذا غاية الجهل والغباوة . فإن كل واحد من حمقى الحساد أيضا ، يشتهي أن يخص بهذه الخاصية ، ولست بأولى من غيرك ، فنعمة الله تعالى عليك في أن لم تزل النعمة بالحسد ، مما يجب عليك شكرها ، وأنت بجهلك تكرهها وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا ، فواضح . أما منفعته في الدين ، فهو أنه مظلوم من جهتك ، لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل ، بالغيبة ، والقدح فيه ، وهتك ستره ، وذكر مساويه ، فهذه هدايا تهديها إليه . أعنى أنك بذلك تهدى إليه حسناتك ، حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا ، محروما عن النعمة ، كما حرمت في الدنيا عن النعمة . فكأنك أردت زوال النعمة عنه فلم تزل . نعم كان لله عليه نعمة ، إذ وفقك للحسنات فنقلتها إليه ، فأضفت إليه نعمة إلى نعمة ، وأضفت إلى نقسك شقاوة إلى شقاوة . وأما منفعته في الدنيا ، فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء ، وغمهم ، وشقاوتهم ، وكونهم معذبين ، مغمومين ، ولا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد . وغاية أماني أعدائك ، أن يكونوا في نعمة ، وأن تكون في غم وحسرة بسببهم . وقد فعلت بنفسك
--> « 1 » البقرة : 109